رمضان وساعة الجدار



عودتنا الحضارة وبفعل فاعل ذكي خفي ان كل حدث سيكون موقوتا في (الساعة) فالساعة في ميقاتها حتمية الحدث مثل مواقيت الدوام الرسمي ومواقيت نشرات الاخبار والمسلسلات والمواعيد الحاسمة في المؤتمرات والحلقات الدراسية وكل حدث آتي فيكون له ميقات حاسم حتى تناول الأدوية وميقاتها بالساعة ودقائقها وفنون الطبخ وزمن الطهي مرتبطا بمدة موقوتة على عقارب الساعة ..


ذلك الانضباط التوقيتي سرى تربويا من جيل لجيل وقد اسهم في بناء ثقافته فئة خفية جعلت من البشرية مقادة بخيوط غير مرئية فكانت المواقيت في الساعة هي قيود صنعتها فئة باغية نشرت صناعة الساعة بشكل متسارع فاقامت صروح في كل مدينة للساعة وتفنن الفنانون في نصب لوحات الساعة في ساحات المدن ابان بدايات النهضة الحضارية اما ما بعدها لغاية اليوم فان الساعة الرقمية انتشرت مع كل جهاز تقني الكتروني فاصبح الانسان كيفما كان واينما يكون يترائى له القيد الزمني الذي فرضته ثقافة ماسونية سرت في عجينة كل الشعوب ومنها الاسلام فاصبح المسلمون مقيدون في حاوية الزمن (ساعة) وهنالك (رقاص) يرقص او رقم يتقافز ينبيء بتلك القيود ويقوي حتميتها فيتحول رقاص الساعة الى مطرقة تطرق استراحة من يدنو من ميقات حتمي ..!! تفرضه ساعة ميكانيكية


تلك الثقافة انتقلت الى ميقات الإفطار والصائم فتتحول محفزات الصبر على الصيام الى مطارق تهشم الصبر وتتباطيء عقارب الساعة بين يدي الصائم وتؤثر في صبره مطارق رقمية تتساقط نحو ميقات الافطار ونتيجة ذلك ينهار كثير من الصائمين على ضربات ذلك الميقات حين تكون الساعة اليدوية والجدارية وساعة الهاتف والحاسب والتلفزيون ... و .. و .. منبيء بميقات الافطار تحت إحساس بضربات زمن يتقادم ببطيء نحو ميقات الإفطار


ذلك لا يعني هجر الساعة والغاء المواقيت التي تضع الساعة الجدارية او اليدوية معاييرها الا ان التعايش معها وجعل ميقات الإفطار مربوطا بالساعة وضرباتها هو أمر خطير يصدع الصبر ويقلل من همة الصائم خصوصا النشيء الجديد الذي يتسائل كل دقيقة عن ما تبقى من زمن الصبر .... تلك المخاطر قد نجدها عند سائقي سياراتهم على الطرق الخارجية حين تعلمه ساعة سيارته بضربات قاظمة للزمن فيتسارع في صولة خطرة كثيرا ما تسببت بحوادث مروعة ..!! ... اقتلاع الساعة وضرباتها من العقل ثقافة إيمانية لم يغادرها النص القرءاني


(أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)(الشورى: من الآية18)


الساعة هي (حاوية السعي) وهي في الفيزياء والكيمياء وكل شيء يكون فيه الزمن عنصرا فعـّالا هو الساعة وعندما يكون المرور (يمارون) على ثابت زمني فان ذلك ضلال بعيد ... الافطار في الساعة (6.15) يعني ثابت زمن والمرور عليه (الوصول اليه) هو ضلال بعيد .. بل بعيد جدا لان صفات المؤمنين


(وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ)(الشورى: من الآية18)


فاذا كان موعد آذان المغرب (حق) فهل يتم تهشيم ذلك الحق بضربات ميكانيكية في العقل ...!!! وهل الوصول الى الحق يستوجب التقافز على حتمية ساعة جدارية ...!! بل الاشفاق منها يعني تنحية الرابط معها ونفهم لفظ شفق في فطرتنا الناطقة عندما نقول (شفق الشمس) وهو ما تبقى من حمرة اشعتها اما هي (قرص الشمس) فيكون قد تنحى عن النظر فيكون فهمنا للفظ الشفق في الساعة (حاوية السعي) هو في جعل الرابط مع ضرباتها القاظمة للزمن محل (شفقة) بجعله رابط متنحي منها ... من يشفق على احد يعطيه ولا ياخذ منه فمن يشفق على الفقير يتصدق عليه ولا ياخذ منه شيئا فالشفقة من الساعة حين لا ناخذ منها (العجالة فيها) فتكون ضرباتها الموجعة بل يجب ان تكون بلا عجلة


(يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) (الشورى:18)


مبارك صوم المسلمين حين يشطبون الساعة ورقاصها من عقولهم فقيام ميقات الإفطار لا يحتاج الى ساعة تعذب الصائم بل الكون ينبيء بميقات موعد الإفطار في (ساعة كونية) وليس (ساعة ماسونية) تعصف بعقل الانسان وتهشم استراحته وتستلب منه صبره ... الساعة الكونية هي بيان جديد لعهد جديد في أمسية جديدة وصباح جديد وضحى جديد وظهر جديد ... ساعة الماسون تنبيء بان خسرنا من يومنا كذا ساعة وكذا دقيقة من ساعة وان ما تبقى لحتمية الميقات كذا ساعة وكذا دقيقة فيستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ...


رمضان كريم وصيام مقبول


الحاج عبود الخالدي