المتاهة العقائدية

من اجل حضارة عقائدية معاصرة




العقيدة تؤتى غالبا بالميراث واستثناءا عن طريق العقل ويغرق البشر في ارثهم العقائدي بموجب فطرة تبعية الوليد لاهله وقومه فتقوم العقيدة فيه استنادا الى ذلك الموروث وفجأة يرى الانسان انه منتسب لمعتقد لم يأتي باختياره منذ طفولته وتبدأ عملية الاختيار في الشخصية التفاعلية للانسان وغالبا ما يحصل تمرد فطري على العقيدة في بدايات تفاعلية العقل في وبعد مرحلة الصبا .

كثير من الناس يعتنقون عقائد الاب ولكنهم يعيشون في متاهة عقائدية أي انهم يرثون العقيدة هشة غير راسخة وفي تلك المساحة الفكرية خطورة كبيرة على الانسان حيث يكون عرضة لاي اعصار فكري من هنا وهناك وتتحصل بين ثنايا عقله مجموعة من الافكار التي تستعمر عقله ويحصل التناقض ويفقد الانسان فرصته الذهبية بالاختيار فهو يتعرض الى ارث عقائدي ملزم من جهة ومن جهة اخرى الى افكار ممنطقة من عقائد اخرى او افكار ممنطقة تدحض بعض مفاصل العقيدة الموروثة .. هذا الداء الفكري يصيب الانسان في كل العقائد وليس حصرا في حملة العقائد السماوية الثلاث

المتاهة العقائدية تؤدي الى موقف (بين البينين) وهذه هي الاخطر عندما تكون اختيارا غير موفقا عند التطبيق ويقولها كثير من الناس (ساعة لي وساعة لربي) فيبدأ الانسان ذو شخصية متأرجحة بين العقيدة واللاعقيدة والاخطر منها ان يكون في التطبيقات متمردا على العقيدة كلما استوجبت الاهواء الدافعة له فتارة في محراب عبادة وتارة في موبقة ومجون ..!!

هذه المتاهة وان قامت على ضعف ووهن عقلاني الا ان الانسان يمتلك كمالية عقل لو اراد وبالتالي يستطيع ان يصنع عقله قرار الاختيار وكثيرا من الناس يعترفون لانفسهم داخل عقولهم انهم غير قادرين على ولوج الفكر العقائدي وتمحيصه لغرض قبوله او رفضه وبالتالي يستسلمون لاخيتار عقائدي محدد غالبا ما يكون ارثهم العقائدي من ذويهم ... مثل تلك المعالجة العقلية ليست معالجة خاصة بالعقيدة بل هي عامة مطلقة فعندما يريد الصيدلي ان يبني بيتا فانه لا يستطيع ان يصنع خيارات البناء ويعترف في عقله انه لا بد ان يترك الامر الى المهندس من اجل ان يوفر له الخيار في بناء منزله ... نفس الموقف يضطلع به المهندس ازاء الصيدلي فعندما يحتاج المهندس الدواء فان عقله يستسلم لخيارات الصيدلي .

وان كانت تلك الطريقة شائعة وعلى مضامينها انتقلت العقيدة من الاباء الى الابناء بشكل تلقائي الا ان تلك المنهجية الفكرية ان تطرفت كثيرا فانها سوف تسبب كثيرا من المشاكل في التطبيق فلا بد للصيدلي ان يمتلك اوليات هندسية تساعده على مشاركة المهندس اختياراته وعلى اقل تقدير تسمح للصيدلي ان يفهم خيارات المهندس عند صناعتها ...

هذه المهمة الفكرية ضرورية في الزمن المعاصر بسبب انتشار المعرفة واضطلاع الناس بمعدلات عالية في خوض مساحات فكرية لم تكن بالامس القريب ضرورية في القرية او في المدن بصفتها الصغيرة حيث كان العالم صغيرا بصغر القرية او المدينة اما اليوم فان العالم صغيرا بحجمه الكبير جدا وقد ساهم الاعلام المرئي والمسموع كثيرا وزاد من مساحة المتاهة العقائدية كثرة الفضائيات وكثرة الدعاة وانتشار المواقع الالكترونية العقائدية فاصبح الفتى في حيرة من امره .

ضعف الثقافة الاسرية يؤدي الى اتساع التيه العقائدي وتظهر تلك الظاهرة بعنف شديد في التجمعات السكانية الفقيرة حيث تتهرأ التربية الاسرية والتربية المجتمعية الصغيرة المتمثلة بالحارة او الحي الفقير حيث يبدأ الفتى متاهته وسط تهريء تربوي خطير يتحول بعدها الى انحراف سلوكي يستند اساسا على متاهة العقيدة وسقوط حواجز الحلال والحرام في الشارع الفقير .

عندما يكون الاباء كالبهائم ينتجون اجسادا فقط ويتركون ابنائهم بدون تغذية عقائدية فان التيه العقائدي عند الاولاد يتحول الى كارثة تسقط اولا على الابوين قبل غيرهم وبما الابوين تائهين في عقيدتهم مسبقا فان التيه العقائدي يتحول الى عصبة خطيرة وهنا يضطلع المروجون العقائديون (الدعاة) الى اعادة تحصين مجتمعي وبمان الدعاة هم اساسا على ناصية صراع عقائدي فتكون الهاوية .. كما هي ... في يوم معاصر .


الحاج عبود الخالدي