ان الفطرة قد تحتجب وتدفن أحيانا مما يتكدس
عليها من افرازات الشهوات

والأهواء والمفاهيم الضالة عندئذ يمرض القلب

{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً }البقرة 10

فاذا مرض القلب أضمحلت البصيرة وتبلد الوعي
وأضحى الانسان لا يفقه شيئا
{وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ }التوبة 87

{ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }التوبة93

وهذا ما أكده الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله
( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )
اذن حالات المروق والضلال تطرأ على الفطرة بفعل البيئة
والمحيط ومجموعة الظروف الزمانية والمكانية المختلفة
وهذه الحالات لا تستأصل الفطرة أو تفتتها
وأنما تؤدي الى سلخها عن وظيفتها الحقيقية
بعيدا عنها لأن حذف الفطرة غير ممكن
{ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ }الروم30

نعم يمكن تعطيل الفطرة باستخدامها
في غير ما خلقت له
ذلك ان الأنحراف المشهود عن أحكام الفطرة
ليس ابطالا لحكمها بل استعمالا
لها في غير ما ينبغي من نحو الاستعمال .
من هنا يتجلى دور النبوة في الحياة
لأن تعطل وظيفة الفطرة ينجم عنه ضمور عقيدة التوحيد
وبالتالي تداعي وانحطاط الحياة الاجتماعية لبنى الانسان
بسبب هيمنة عقائد الشرك
فجيء الأنبياء ليوقظوا الفطرة ويحطموا
ما تكدس عليها من حجب
فيتحرر العقل من أغلاله

ويطل على الواقع من جديد
لينطلق في رحلة ممتدة بامتدادها في هذا العالم
من آيات الأنفس والآفاق .
وقد وصف الأمام علي عليه السلام
مهمة بعثة االرسل بقوله
( فبعث فيهم رسله ، وواتر اليهم أنبياءه
ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكرورهم منسي نعمته
ويحتجوا عليهم بالتبليغ
ويثيروا لهم دفائن العقول

ويروهم آيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع
ومهاد تحتهم موضوع
ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم ....)
ان هذا النص يكشف بجلاء عن طبيعة مهمة المرسلين
التي تعني التبشير بوعي جديد يوقظ الناس
ويخرجهم من غفلتهم كيما يؤدون حق التوحيد
الذي هو ميثاق فطري
ذلك ان الرسول
لا يطلب من الناس التصديق بمعتقدات غريبة
على وجدانهم وانما يهديهم الى ما تختزنه فطرتهم
من خلال عمله بتفتيت ما ترسب عليها من حجب
وما أحاطها من أكنة حسب تعبير القرءان الكريم

وهو ما يومىء اليه قول الأمام علي عليه السلام
( يذكرهم.... ويثيروا لهم دفائن العقول )
الذي يعني ان شيئا في العقل غاطس ومدفون
بفعل ما تراكم عليه من أدران .

والرسول يخرج هذا المدفون
وهو البصيرة والوعي
عبر رحلته في اخراج الانسان
من الظلمات الى النور .