ثقافة الدين بين الظن واليقين

من أجل قيام ثقافة اللاريب في الدين


اليقين هو هرم عقلاني يحوي على المستقرات العقلية الحاسمة والتي ترفض التقلب بين وعائين متضادين هما (الظن واليقين) وذلك الهرم العقلي هو (حارة عقل) لها اساس متين في صناعة القرار العقلي الذي يتسلط على مجمل تصرفات الانسان دون استثناء فالانسان انما يمارس نشاطه المادي بسابقية تكوينية لنشاطه العقلي ولا يمكن القبول (بداهة) ان يكون النشاط المادي سابقا على النشاط العقلي وفي تلك الضابطة الفكرية يكون لـ (حارة اليقين) دورا مهما في أي انشاط والا يتصف الانسان الذي يضطرب في قراره العقلي انه (متردد) او انه يتصرف بـ (ارتياب) فيكون اقل نجاحا واوهن نشاطا ويغرق في كثير من الاشكاليات في حياته العامة ... بما فيه نشاطه الديني ...!!
توسيع حارة اليقين في العقل وتنشيطها هي من السمات الاساسية في النشاط البشري وكثير من الموصوفات التي يصفها المجتمع لبعض اعضائه الناجحين بوصف (إن فلان يمتلك ثقة عالية بنفسه) وهي تعني نشاط في حارة اليقين بين ثنايا عقله فالناجحون في دنياهم والذين صنعوا نجاحهم بالاعتماد على انفسهم يمتلكون نشاطا متميزا في حارة اليقين فيسيرون بخطى ثابتة في حياتهم فاذا كان مثل اولئك الناجحون يمتلكون مساحة يقين حاسمة في ثقافة الدين فانهم سيكونون متألقين في دينهم ايضا الا ان نجاح الدنيا غالبا ما يكون ملهاة تلهي الانسان عن استكمال ثقافته الدينية فينفرد في نشاطه العقلي اليقيني مع الانشطة المادية الدنيوية ويهجر دينه ..!! ومن نفس الواصفة التفعيلية في العقل نجد ان الانسان الناجح في دينه وعقيدته عندما تتسع دائرة اليقين بالدين وتنشط عنده فيكون الاكثر ايمانا والاقرب الى ربه فينال الدرجات العلى في رحلته الايمانية فيكسب ثواب الدنيا والاخرة وهي (في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة ووقاية من عذاب النار) ... ذلك لان تفعيل دائرة اليقين في ثقافة دينية تشمل تلقائيا نشاطه المادي الا ان من ينشط في صفة اليقين المادية في رواسخ عقله لا يحصل على فاعلية تنشيط ثقافة اليقين العقائدي في حارة اليقين المتألقة عنده بل تختص بمباهج الدنيا واموالها حصرا ونجد تلك المعادلة في نص شريف

(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)

في ذلك النص الدستوري الذي يبين يقينا ان دائرة الصلاح والايمان تولد دائرة طيب الحياة فتكون (حسنة الدنيا والاخرة) في وعاء واحد ....

هنلك في ثقافة الدين (يقين مفتعل) وهو (ريب خفي) يقع فيه جمهور الناس حيث يقوم اليقين العقائدي بين الناس من خلال توأمة الافكار الدينية ورسوخ تلك التوأمة على انها مصدرية يقينية فتراهم سرعان ما ينهارون في ثقافتهم الدينية لان اليقين الذي يمتلكونه هش الصفات قليل الفاعلية وعلى سبيل المثال ان احد المصلين كان قد حصل على يقين عقلي بوجوب الصلاة من شيخه او امام جامع في حارته وحين يكتشف ان الشيخ او احد المصلين ارتكب محرمة من نوع ما فترى ذلك الشخص الذي بنى يقينه على يقين غيره ينهار ايمانيا ويفقد ثقافته الدينية ويهجر الصلاة ويلعن المصلين لان ثقافته الدينية اعتمدت على يقين زائف سرعان ما تهشم من خلال سريان حرمة من نوع مؤثر في ثقافته فيما توأم عقله مع غيره في شراكة اليقين ..!! فكان يقينا زائفا ..!! وعلى شاكلته تقوم ثقافة دينية زائفة في مساحات واسعة من العقيدة ...

سبل قيام اليقين في ثقافة دينية صادقة راسخة يتبناها الراغب الى ربه وتقع حصرا في علاقة مباشرة بين العبد وربه وعلى المكلف الراغب بقيام ثقافة دينية غير زائفه في عقله ان يعتمد في رسوخ اليقين عنده من عنده ولا يستورد اليقين من عقل اخر وفي كل مفصل من مفاصل العقيدة فيتعرض الى الزيف ومثل تلك الصفة التي تربط العبد بربه ملأت مساحات كثيرة من نصوص الخطاب القرءاني

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:7)

(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ ءامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الاَبْرَارِ) (آل عمران:193)

(رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8)
(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) (الشعراء:78)

القرءان في مساحة واسعة من خطابه يؤكد ان الايمان هو هدي الهي وان لو يشاء الله لهدى الناس اجمعين الا ان نفور العبد من ربه سببا مباشرا في وقف مشيئة الله بهداية عبده فيقوم العبد باستبدال الله بغيره فيكون بشرا هاديا له بديلا عن الله في الهداية فيقع الانسان وقعة الكافر بربه لانه قام بتأليه إلها اخرا للهدي يفعل فيه فعل الهداية فتكاثر المريدون لمشايخهم وتكاثر محبي الاولياء وتم تقمص يومياتهم على امل ان يكون اولئك البشر هداة لهم بشكل مباشر او عن طريق الاطلاع على ارائهم في الدين او اقوالهم التي قالوها فصارت حديثا لهم بديلا لنصوص القرءان لتكون مراشد اليقين في عقولهم من لبنات عقلية بشرية امتلكها اولئك الاعلام فكان كثيرا من الناس في يقين زائف يتصدع في كل ناشطة من انشطتهم فتراهم مسلمين الا انهم متأسلمين ..!! ولما يدخل الايمان قلوبهم (بلا يقين) وكثيرا ما يهتز ايمانهم في انشطة متعددة يكونون فيها خارجين عن الاسلام حتى يبقى الاسلام فيهم لا يزيد عن مسمى ينتسب اليه المسلم ..!!

تلك الاسطر ما كانت علما يكتسب ولن تكون ...!! انما هي ذكرى تذكر من يريد الذهاب الى ربه ليهديه

(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الصافات:99)

فيكون من الذين شاء له الرحمن ان يتذكر فالذكرى بوابة العقل

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (الذريات:55)


الحاج عبود الخالدي