وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ


من اجل معرفة سبيل الله وفرزه عن السبل المصطنعة

{وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153

النص الشريف واضح مبين البيان الا ان تفاصيل البيان بين الناس لا تزال ضبابية غير معروفة بسبب هجر القرءان مع ما يصاحبه من تشضي فكري في الواقع الاسلامي المعاصر الذي وقع به المسلمون المعاصرون او مؤهلي الاسلام في الزمن الغابر عندما كانت تتغير السبل في كل حقبة من حقب التاريخ بعيدا عن ثبات القرءان الذي يمنح حملته ثباتا مطلقا لا تغيره الاجيال ولا تستطيع ان تعبث به الاراء سواء كانت اراءا مذهبية اسلامية او اراءا بشرية منتشرة كما في نظريات النشوء او نظريات حراك رأس المال او السبل السياسية والوطنية وفي كل زمن نرى رجالا لهم سبل مستحدثة فعلى سبيل المثال نرى بين نظام الحكم في العهد الراشد في صدر الاسلام ونظام حكم الامويين نظرية للحكم مختلفة جذريا ومن ثم اختلفت في العهد العباسي ايضا واصبحت نظريات الحكم متقلبة مع كل خليفة فبين الامين والمأمون مثلا نظرية حكم مختلفة وهنلك مختلفات دائمة ومستمرة عبر الزمن في التنظير التجاري والزراعي وثقافة والملبس والمسكن والمشرب حيث تنحدر رغبات الناس واهتماماتهم حسب الجيل والاقليم والزمن الذي يعيشون فيه فتتكاثر السبل ويرسخ كثيرا منها بين الناس وكأنها سبل الله فيقع المكلفون (عباد الله) في غفلة تبعدهم عن سبيل الله (الصراط المستقيم) ... حتى الحضارة المعاصرة حملت ما حملت من متغيرات في السبل فعلى سبيل المثال كانت بعض الادوية والمعالجات الطبية ثابتة راسخة عند بدايات استخدامها الا انها تغيرت المفاهيم تجاهها فتغيرت السبل الطبية ازائها ولعل من يرى سيارة انتجت في بدايات صناعة السيارات سيسخر منها امام ما تنتجه مصانع اليوم من سيارات وهو دليل مادي على تغير السبل فسبل الحدادة متغيرة ومثلها النجارة والخياطة وغيرها كثير يتكاثر خصوصا في زمن الحضارة الحديثة على قاعدة راسخة عند مؤهلي الحضارة ان النظم والسبل انما تخضع للتطور وكل جديد يمسخ القديم فاصبحت السبل قد تتغير بين يوم ويوم وبين جيل وجيل فنشأة الاب لا تشبه او تتطابق مع نشأة الابن وبتالي فان صفة خطيرة تتحقق من جراء ذلك التخبط في متغيرات السبل وقد جائت تذكرة ذلك في النص الشريف (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) الا ان المتدينين اصروا على ان سبيل الله هو محشور في تلك السبل التي اقرتها الاراء المذهبية في منسك صلاة او صوم او حج فنراه اما يتشدد ويتحول الى قاتل يمتهن القتال في سبيل الله او انه يمعن كثيرا في المناسك ودفع الزكاة لمستحقيها الا انه يعيش في مساكن الذين ظلموا انفسهم في مدنية براقة وسقوف من الخرسانة المسلحة ويرتدي ثيابا من الياف تركيبية لم يخلقها الله لوظيفة اللباس بل هي من ما صنع المتحضرون من اصول ميتة في حين نرى سبيل الله حين تكون الالبسة من اصول حية كالقطن والصوف والكتان والاوبار وغيرها


{وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ }النحل80

{يَا بَنِي ءادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءايَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }الأعراف26


وتلك السبل التي يذكرنا بها القرءان تفرقت وفرقتنا فنحن اليوم لا نلبس لباس التقوية (لباس التقوى) بل نلبس البسة تضر باجسادنا وتضعفها ولا (تواري السوء الذي يصيبنا) ولعل اللسان العربي المبين يبين ان (سوءاتكم) لا تعني (العورات) كما يتصورها الناس بل تعني (حزمة السوء) المنتشر الذي يجب ان يتوارى عن الاجساد كما هو السوء المتحصل من عصف موجي متأجج يملأ محيط الانسان في حياته ... لهذه المعالجة دستور علمي قرءاني يخص فاعلية (الذكر والانثى) في الخلق اجمالا وله علاقة بمثل لوط والفحش الجسيمي (الذري) الذكوري وان انتشار الجسيمات (الغبار النووي) في اجواء الارض وهي مقيدة بحقل مغنطي (موجة كهرومغنطية) تتسبب في تدهور صحي عند الانسان واكثرها شيوعا مرض السكري الذي استشرى كثيرا في الاونة الاخيرة


مرض السكري وعلوم قرءانية معاصرة

فرقتنا السبل المستحدثة وافقدتنا الامان الذي فرضه الله في صراطه المستقيم فاذا عرفنا مقاصد الله في (الصراط) فلنعرف ماهية (المستقيم) كصفة تصاحب كينونة الصراط ..

لفظ (مستقيم) في علم الحرف القرءاني يعني (مشغل يشغل حيز غالب لـ فاعلية الربط المتنحية المحتوى) ... ورغم ان الترجمة الحرفية صعبة الفهم الا ان تطبيقها على الخط المستقيم الذي نعرفه ترفع من غشاوة الادراك فتجعل الصراط المستقيم بيننا معروفا معرفا بالعقل عند حامله ... هنلك في معارفنا (خط مستقيم) وهذا الخط قد نشأ من (مشغل مزدوج) أي مشغلان اثنان هما (القلم + المسطرة) وبدونهما لن يكون الخط ولن يكون مستقيما فالقلم هو الذي يمنح الخط (حيزه) او (حيازته) فلا يقوم الخط الا حين يكون (القلم مشغلا له) وهو مشغل اول اما المشغل الثاني للخط المستقيم فهو (المسطرة) وبدونها لن يكون الخط مستقيما وحين تم ربط (القلم والمسطرة) قام الخط المستقيم بصفته (حيز غالب) الا ان القلم والمسطرة اصبحا متنحيان عن الخط فلا نراهما حين نرى الخط المستقيم ... المثل ينطبق على الصراط المستقيم بنفس الدرجة من الفهم العقلاني وليس للتطابق الوظيفي فالله سبحانه اقام الصراط المستقيم وصار حيزا غالبا (هذا صراطي) الا ان (فاعليات الربط المتنحية) لا تظهر مع الصراط لانها مرابط خلق (قدر الله فيها اقواتها) كما هي مرابط المسطرة والقلم حين استخدمها المهندس في رسم خارطته فالصراط المستقيم أمين لغاية قصوى تغطي كافة حاجات الانسان ورغباته بشكل امين وما من سبيل يأتي من خارج ذلك الربط المتنحي فانه سوف يكون سببا في تردي حال الانسان وان تصور انه انما يفي بحاجاته الا انه ظالم لنفسه فتفرق به السبل المفتعلة من قبل البشر

{وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ }فصلت10

فذلك المشهد العميق في الخلق اصبح (فاعلية ربط متنحية) عن عقولنا الا اننا ندرك المخاطر حين نستحدث السبل فتفرقنا عن المربط الحق في صراط ربنا المستقيم وعلى سبيل المثال نستدرج مثلا شائعا عن بعض الادوية التي تناولها الناس لسنين طويلة منذ عشرات السنين وبعد طول امد ظهر انها تسبب السرطان فنفر منها الناس لان تلك الادوية كانت (سبل فرقت الناس) عن سبيل الله الاوحد (صراطه المستقيم) ... وكثيرة هي الامثلة التي فرقت الناس وابعدتهم عن صراط الله المستقيم وبعثرت استراحتهم خصوصا في زمن الاستراحة عند الشيخوخة حيث تكون حزمة من الامراض هي نصيب اكثر المسنين مما يجعلهم (ءاية) للناس المعاصرين

(وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) الا ان اكثر حملة العقل لا يستطيعون ان يدركوا حقيقة (هذا صراطي مستقيما) ويتصورون ان الصراط المستقيم بكثرة المناسك والسجود ورغم ان كثرة المناسك لا تعتبر منقصة في المتعبد الا ان الاتكاء عليها بصفتها (حاوية الصراط) الاولى والاخيرة وكل ما هو خارجها ليس بصراط الله يعتبر غفلة شديدة وان الصراط المستقيم مودع في فطرة العقل مثلما يودع مصمم الحاسوب برامج اساسية في تلك الماكنة الالكترونية فان الله قد اودع في فطرة العقل (خامة عقلية) تدرك الصراط المستقيم على ان يكون حامل العقل على بينة من فطرته التي خلقها الله ولا يخلط بينها وبين المتراكمات المعرفية

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }الروم30

في المثل الذي نسوقه على هذه السطور جرى حديثا واقعيا مع شخص كثير الزهد والعبادة وهويمتهن مهنة العطارة فيتاجر في الاعشاب والبهارات والمطيبات الغذائية وكان يعرض في ما يعرض في دكانه حاوية مليئة بصبغ غذائي اصفر واحمر واخضر اللون يستخدمه بعض الناس في الحلويات فقلت له هل هذا اللون من مضافات الاغذية أمين ..!! فقال نعم وبالتأكيد فهي الوان غذائية ..!! فقلت له ارجو منك ان تلتهم بقدر ملعقة اكل من هذه الالوان لنرى هل يمكننا ان نوصلك للمستشفى سليما ..؟؟ فقال سوف لن تلحق بي عربة الاسعاف ..!! فقلت له تعرفها اذن ..؟ قال نعم وان المنتج يضع تحذيرا في ان لا تزيد نسبة الاضافة اللونية على مقدار محدد لانها ضارة ..!! في تلك المحاورة اجبرت ذلك الشخص الزاهد المتعبد ان يتكيء على فطرته العقلية فادرك بفطرته صراط الله المستقيم ومثل تلك الفطرة يمكن ان ندركها جميعا دون استثناء (لا تبديل لخلق الله) فالعقل الذي يحمله الصيني وهو يدين بدين قديم جدا لا يفهمه هونفس خلق العقل الذي يحمله المسلم وان كان بجوار مكة وهونفس العقل الذي يحمله الفرنسي والياباني وكل البشر يعرفون وهم متأكدين ان المأكل الطبيعي امين وان المأكل غير الطبيعي غادر وقد يكون قاتلا .. ذلك هو صراط ربنا في كل شأن حتى في انشطة بعيدة عن المأكل والمشرب والملبس بل حتى في العلاقة بين الناس وحين نعلم ان الانسان ينام مفردا في قبره ولا يشاركه احد في ذلك القبر ولا يتشارك مع شخص ءاخر في قبره فلماذا يعترض هذا على منسك ذاك وينفر هذا من ذاك وتتصدر الامة جماعة التكفير مصرين على انهم اولياء لله في الارض وانهم الحافظين لدين الله وهم انصار الشريعة وغيرهم انصار السنة او انهم وكلاء الله في ارضه على الناس ... انهم متفرقين في السبل ومن ورائهم دعاة اسلاميون والاسلام منهم براء فلا طائفة في الاسلام فلكل فرد قيامته وحسابه ولا تزر وازرة اخرى

التفرق في سبل غير صراط الله صار اليوم عنوانا للمسلمين اكثر من غيرهم فنرى على سبيل المثال ان الاوربيين كل منهم يحترم عقيدة الاخر وان كان في عميق فكره يعترض على معتقد الاخر الا انه يحترم الاخر في عقيدته ليجبر الاخر على احترام عقيدته هو ونرى في اليابان وفي سويسرا كيف يتعامل (الطبيعيون) مع انفسهم ومع بيئتهم فهم اصدقاء للبيئة كافراد وهم اصدقاء للطبيعة كافراد ولعل فطرة ادراك الصراط المستقيم تدرك بما فطر عليه العقل البشري عموما وكان على المسلمين ان يكونوا روادا في تلك الفطرة لانهم يمتلكون قرءانا يذكرهم ويفصل لهم الايات لعلهم يفلحون الا ان القرءان مهجور فضاع الامل بين اهل الامل في حين وصفهم الله بـ خير امة اخرجت للناس فصاروا يتعلمون من الامم الاخرى ما يضرهم ولا يتعلمون منهم ما هو خير



ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه


ما كان لهذه السطور ان تقوم الا من ضيق صدر وما هي الا ذكرى عسى ان تنفع المؤمنين


{أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى }عبس4


الحاج عبود الخالدي