أيام لن تنسى
في تلك الليلة حيث كنت أنظر السماء وأرقب طائرا هبط ودنى حتى حط على شجرتي ليستقر فيها .. سارعت في التقاط صورته بعدستي الخاصة فلا أعلم ما الذي شدني إليه حتى أحسست برابط من نوع خاص يربطني به دون غيره. فكتبت له ذكريات مولود اتاني و تقربت منه حتى حملته بين أغصان شجرتي أقبله وأتودد إليه.. و لم يهابني للحظة قط.. كنت أنظره وأتأمل وأتساءل فيه .. إن كنت قد أُرسلتَ من السماء هدية لي فأوحي لي عن السماء.. كم تبعد عنا؟.. ما شكلها؟ .. ما حجمها؟.. و بصحبة من كنت هناك؟.. كيف كنت تراني؟.. ماذا أخبرك مرسلك عني؟ وكثيرة من الأسئلة مازلت أسألها له .. شعرت كأنه يخبرني بأمر ما إلا إني لم أكن مؤهلا على فهم شيء منه سوى الابتسامة التي ما كانت تفارق سحنة وجهه.. وحتى صباح ذلك اليوم حيث غادرته كعادتي متوجها لعملي.. لم تكن لي رغبة المغادرة في ذلك اليوم .. إلا إن ظروفا قد أوجبت عليّ الذهاب.. لم أكن على ما يرام في مقر عملي.. فسرحت في استراحة قصيرة على كرسي المكتب مغمض العين و صحوت لما أفزعني جرس الهاتف النقال.. وكان النداء: أبي أحقا مات "الطائر" ؟.. صرخت به ارجع يا ولدي إلى النوم .. إنك كنت تحلم.. قال بلى يا أبي فالجميع واقف حوله يقولون إنه مات.. هرعت إلى هناك .. وأنا أسأل الواقفين في الأزقة هل حقا حصل.. كيف؟ وهو لم يشعرني حتى هذا الصباح؟.. أبي.. أخي.. أمي.. ولدي.. لا أحد يجيبني؟.. نفسي تتمتم كيف لي أن أقوى دون النظر إليه في كل يوم.. مازلت أريد أن أناغيه ويناغيني وأريد.. وأريد .. لكن يبدو أمرا ما جعله يختار الرحيل.. لعلي لم أكن مستحقا هدياه أو لعلي قصرت بواجب كان عليّ أن أؤديه من أجله. فقدته بعد ائتماني عليه لخمسة أشهر ونيف.. فشاء لي القدر أن يكون نصيبه بما هو كان. آمنت بكل ذلك القدر لما قرأت ((قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا )) وقرأت (( لكل أجل كتاب )) و (( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون )) إلا إني لما قرأت (( وإذا الموءودة سئلت.. بأي ذنب قتلت)). صرخت بنفسي - ويحك بأي ذنب قتلته؟- .
وما كان علي فعله سوى أن أنزل صورته من عدستي لأغلفها بالمظروف الأبيض وأودعها في خزانة من تراب أطرتها بعبارة (( مزار طائري الراحل )). وغدوت جالسا في فيء ظلال الشجرة أتأمل رسالته بذلك الخيط من الشمس بين الأرض والسماء.. وأنتظر.
ذكريات مع طائري الوليد

أتى في شرع اللقاء،

فزان القلب بهجة بهناء،
و ندا في دلك النقاء،
فراق البدن ريشة بيضاء ،

و بدا في ملفف الرداء،
فران المهد روعة بشقاء ،
تلون منذ نعومته ببهاء،
تنادى في بسمة حين الشمس تعالت بسناء،
نادى يا أمي هل لي بشربة ماء؟
بوهن على وهن لبت الأم النداء
و بحنين وانحناء
توكر جوفه بسقي ثدي سخاء،
فحمرت وجناته و رصعت خداه النشاء،
وستمر شهور النماء
تلج في ثناياه النعماء،
و سيشتد عليه العناء،
من أجل البقاء ،
بكرامة الأحياء
وفي ظل الدعاء ،
سيتملكه الرفاء،
حد الرضاء،
ألف شكر للخالق البارئ العطاء،
......

أهكذا كنت من قبل يا أحباء
كم كنتم لأجلي كرماء
وكم تحملتم في السراء والضراء
كي أكون من السعداء
يا أبي و يا أمي قد حان وقت الجزاء،
قبلة على الكف تزيد الثناء،
وتطيب النفس بلا دواء،
يا أنتم كم منحتموني
لأجل اليوم أسعدتموني
وهذا اليوم تدينوني
لرد الجزاء بالكف تكافئوني
وإن تباطأت تعذروني
وتقولون (صغير) وأكثر تعزوني
ألف شكر يا أبي و أمي
......

يا أم أحن لشربة أنهلها من كوثر
ومربى حلو المذاق من لباني
يا أب يا من رجح الأبوة أكرمتني
ألهمني اليوم مزيدا من مهامي
فاليوم قرة عين أتاني،
يذكرني بيوم ميلادي
في يوم كان عليكم سلامي
فتذكروا وذكروني
لأدون ذكرى لأولادي
في الكرم والتفاني
لمولود آتي
في يوم سينادي
رب ارحمهما كما صغيرا ربياني


خواطر مع طائري السعيد:

ذاك الأمل الذي كبر فينا لحدود
طائرا غادرنا بلا قيود
ولن يعود بلا وعد موعود
......

أيا طائري السعيد،
هل أنال فرحة عيد،
وقد فقدتك في ليلة عيد،
......

وتقول
هل سيقرأ كي أكتب
هل سيسمع كي أحكي
......

في وسط الزحام لم أر النهار.
وفي رحمة الوصال صمت الآذان.
ووليت أسيرا في دهاليز من الأوهام
في بقايا ذكريات كانت هناك
وجهت وجهي إليها
أبحث فيها عن نبلة قلم أفجر به السكون .
لينهمر ماء العيون .
تداويني ولن تشفين.
تسقيني ولن تروين
.....

فحتى لو
كسر القلم وأحترق الورق
تصحر اللسان وانقطع الكلام
جف الحبر و تبدى الفكر
سأنصت وأستمع إلي،
فأكتب ما أنت تملي علي،
بماء العين و أبيض التراب
بسبابة الكف ونبض الفؤاد
سيكون المداد.
.....

سأبحر فيك متأملا بلا انقطاع،
رغم إني أصبحت مكسور الذراع،
وأعرف قد تكون خاتمتي ضياع
وتراني سأبحر إليك بلا شراع
خرقت سفينتي وشرعت للرحيل بإسراع
ألم تسمعني أناديك يا ساع،
أم صدى صوتي بين الأمواج ضاع،
وإذا بجسدي يكترث الأوجاع.
و يصيب سفينتي الصداع.
فكيف بحالي و في عمق البحر أرتاع
وتجيبني يا قرة عيني بعد طول استماع
اركب معي أنجيك من البحر الخداع.
فهذه سفينة نجاة لمن تذكر وأطاع،
تسلك دربا مستقيما للرب المطاع،
بهدي ذاك النجم سنرشد بلا نزاع،
وسأعلمك ما لك فيه فوائد و انتفاع
وحتى مجمع البحرين سيكون الوداع،
بسلام وبركات سيرفع عنك القناع،

...............

وتسألني
ألا يكفيك البكاء،
ألم يجبرك العزاء...
و بكاء السماء لذاك البلاء،
تالله تفتأ تكتب الرثاء،
وتناجي بألوان النداء،
أو لا ترجو من الله الرجاء،
وأن ترجوه الصبر بحسن الدعاء،
فلله الحجة عليك بالسراء والضراء،
وهو من يجزيك خير الجزاء،
قم واستغفر يرسل عليك من السماء ماء،
ليربط على قلبك ويثبت أقدامك الرمضاء،
فأنا ميت وأنتم لميتون بلا استثناء،
ولوجه ربك يدوم البقاء،
فأرجوه وحده حسن اللقاء،

.........

سأكون هناك أتأمل قبسا من ذاك الوجه
ما بين ضياء الشمس ونور القمر
و بين معاش النهار وسكن الليل
ما بين نبت الأرض وماء السماء
و بين هدي النجم وشموخ الشجر
ما بين نبض القلب و حدس العقل
و بين دمعة العين وبسمة الثغر
وما بين الأقصى والحرم
وما بيني وبينك ذاك الخيط الرقيق
أتأمل فيك وأنت الرفيق،
على طول الطريق،
سأمضي حاملا نفسي
وفي القلب الواهن أنعي
لما جرى فيه حالي،
فبعد رحيلك عني،
انفطر ظهري واهتزت بي أرضي
وأنا أسير أبحث عن ذنبي
وأرجو أن يغفر لي ربي
لعلي أنال حسنا في عاقبتي،
.......

يا لهذا الإنسان من كبد
أشد بأسا من الحديد والرعد
وفي المصائب كأنه زبد
يتهاوى في لوعة وكأنه رمد.
ويا لهذا الإنسان من وعد
من حق الله الإله الأحد
هنيئا لك يا ولدي ذاك الرشد
في جنة نعيم تحوم طائرا أسعد
وأنا لاحقك إن كان لي فيك عهد
لأنال منك في زوبعة ذنوبي سند
وأنا بين سائق وشهيد في اللحد
وعند ربي الرحمان الواحد الصمد.
.......

أيا شجرتي المنكوبة،
أكفرت بنعمة ربك المسكوبة؟
أبطرت في معيشتك المبسوطة؟
لأذوق طعم المر والأجاج من ثمارك الموكوسة
و أحترق في الفيء المشتت في حدودك المهجورة
وأفزع بنقص أنفاس وأُهلك في أموال كانت ممدودة
ولا شهيق ولا زفير يبادلني بود في سمائك المحظورة
فلله الحق في أن يرثك ليصلحك يا من كنت كالعبد مملوكة
فقولي ما عندك فسئمت النظر في أغصانك المعدودة
فهل لي أن أتعظ كي أعود وتعودي العودة الميمونة
وأستغفر ربي وأتوب إليه لأنال رحمته المنشودة
وأعمل صالحا يرسل عليّ خيرات ليست محدودة.

فقالت:
إن تستفتح فقد جاءك الفتح وإن تعد فبحق فاطر السموات والأرض لأعود شجرتك المعهودة.


شرعة

نطته الشمس عِقدا ذا قلادة من خيوطها المنسدلة في تلك الواحة..طاف بعشه ليحلق جذع الشجرة بالعقد و صلا القلادة في عنقه .. ثم أقلع بشرعته نحو السماء بلا قيود.

.............


أيها النورُ الساطعُ في شغاف قلبي ،
أيها الكوكبُ الطالعُ في خريف عمري ،
أيها الأملُ المشرقُ في صحراءِ دربي ...
حنانيك
يا دهري ؛ أنا ما زلت بما أعاني رضيًّا ،
سوف أحيا معانقًا أحزاني ،
أمشي على مراجل آلامي ،
أكفكف دمعي الهتون ،
إن الدمع سلوى لأحزاني ،
تركتَ الآلامَ تعبثُ بمهجتي وتلهو بأجفاني ،
وإني على أرزاءِ دهري لجلدٌ ،
شراعي الصبر ،
ومجدافُ أملي العزم ،
وعزائي جنة نعيم بصحبتك يا (أمين)...يا رياضَ أزهاري المُصوِّحة
ويا أنفاسَ أورادي العبقة...
يا نسائمَ روحي المتنادية...
يا رمزَ جهادي ...
يا زادي في سفري ليوم المعاد ؛
سأطوي ليالي عمري المتبقية فرحا ،
راضيًا بقضاء ربي ،
وإنْ ذابَ قلبي حسرةً ،
واشتاطَ فؤادي حرقة على أملي الضائع في دنيايّ المعذبة .
إني يا ريحانةَ قلبي ،
ونورَ بصري ،
وبصيرةَ عقلي ؛
لأرجو من الله ما رجوتَ ...
وأسعى بما تبقى لي من أيام عمري بما سعيتَ ؛
لأحظى برضوان ربي بما ارتضيتَ
.........

مساءٌ جميلٌ بأحلام الطفولة البريئة كلحنِ الضُحى ,,
كالسماءِ الضحوك,,
كابتسامةِ الورد الوليد,,
كسحابة حمراء فيها كوكبةٌ من الغيد الحسان تحفُّ النجوم,,
يا بسمةً لم تكتملْ وغلفتْها دمعةُ جمرٍ من وردة الضُحى في أسىً وجمود,,
يا منْ جئت لتبعث فيَّ مرحَِ المشاعرِ وتَشدّ من عزمي المََكدود,,
أرأيتِِ كيفَ أوتارُ قلبي تبعثُ أنغاماً وتشدو بصوتٍ بلبلٍ مكبل بالقيود,,؟
يا منْ يُنقذُ الصباحََ الجميلَ بدفءِ الحرفِ من صقيعٍ بارد يلفحُ الوجوهََ بثورةِ الخريفِ العتيد,,
يا شموساً أنيري طريقي لقد سئمتُ الظلامََ ,,
أنقذيني فقد مللتُ الركود,,
يا نجوماً! انثري نورَك في الفضاءِ لعلي أحلمُ في أطيافِ الحبِ السعيد,,
لقدْ حلمتُ بأني أطيرُ فوقَ الشفقِ المُخَضَبِ بألوانِ الورود,,
وأعانقُ الغيومََ الرقيقةَ َرقة الخدودِ للحور العينِ في جنة الخلود,,
يا أمنياتي! اجعلني أنشودةً سحريةً بألحان الطيورُ على هام الغصونِ ومساربِ الدروب
إياك أنْ تَهدم ما شَيَّدتُهُ في غربتي , بعفتي منْ ألحان الهوى في فؤادي الوَدود,,
لا تسحق الحسنََ لآماليَ العذابُ فنفسي تهفو وتصبو لعيشٍ رغيد,,
.......

يا أنتَ !!
يا ألقََ الربيعِ,,
يا صورََ الجمالِ في خيالي ,,
كمْ وجدتُ فيك منْ غُموض
تبث رقةَ َالحنانِ والشوق,,
والدمعةُ جمرٌ تُلهبُ الخُدود,,
يا نجم في غرة الدهر! ,,
دعني لوجدي أهيمُ في خيالي
في ذكرياتِ ظلك العذبُ,,
وفي جوارِ حسنك المَشهود,,
سأعيشُ للإلهامِ والشعرِ والطهر والبراءة والسنا بهذا الوجود,,
سأناجي الإلهََ في غسقِ الدُجى وقبلَ ابتسام الضُحى في نشوةِ الذهولِ
بلا قيود,,
لعلَّ الإلهَ يمْنَحني السعادةَ والسرور َبروحك لينيرُ فجري المَنشود,,

هذيان منْ هدَّهُ الأَلم

وفي ذاك الصباح الكئيب.....
نزلَ السقمُ ضيفا......
واصفرتْ أمُّ الضياء......
في الشفق....

فقلتُ رويدكَ.... زعزعتَ قلبي.......
ومنَ اللهيبِ احترقْ.......
قد ملأتْ ...
دموعي....
كؤوسَ...
الأرق.....

ثمَّ اشتد الألم.....
فذبلتْ أحلامي.... وأصابني السَّأم.....
وشاقني القرطاسُ والقلم.......
هم الأوفياءُ من قِدم......


وفي عمقِ السكون....
بليلِ الشجون....
تمرُّ أمامَ طرفي أطيافٌ .....
لأحبابٍ هم لعيني ضياء....
هم سكنٌ لروحي.....
الشريدْ.......


يا أيها الألم....
تركتني وحيداً....
رهينَ الاغتراب....
وهديتني الدموعَ والندم ....
متى يُداعب الكرى....؟
جفونك لتنم....

وجَدتكَ في دربي ....
فمنحتكَ منْ حبي ....
فلم تتركني وشأني....
ثمَّ تغيب ....في فضاء الأفق ...
الرحيب....

هناك ينتظرني حبيب ....
يسألُ عني الطبيب .....
كيفَ هاضه الوهن.... ؟
وأعياهُ الألم....

يا مُلفلفاً قلبه بخيوط النور....
يئنُ باكيا... لأحِبهُ....
لأضمهُ...وأقبلهُ....
ثم وزَّع الجراح....
وابتسم ْ....

وحفرَ في قلبي معابرَ...
للدموع...
وتركني......
خاشعَ الأطراف.....
متداعيَ الجسم....
لما لجَّت الحُمى......
اضطرمْ....

منْ يُنسينا الألم ...؟
إنا نراهُ في الصباح ....
ونحملهُ في السفر ....
نسمحُ له أن يبني السدودَ ....
بين أشواقنا والقمرْ ....
بين آمالنا وجِراحنا ....
بينَ أعيُننا والنَظرْ ....

يا حبنا يا ألم ...
يا هوانا يا سقم ...كم قدَّمنا بين يديك ...
أحرفاً وسطوراً...
ومرَّغنا على أعتابك جباهاً ...
وأحْرقنا لك بخوراً...


كيفَ تنسانا يا ألم...؟
منْ يُحي لنا ليلَ ذكراكَ..؟
لنسيرَ على أثر خُطاكَ...


هل أنت حلمٌ ..؟
أو حقيقةٌ نراكَ ...؟
أم حبٌ دفين في الجراح
مأواك...؟


والسلام على أهل لا إله إلا الله
من أهل لا إله إلا الله
والسلام على أموات المؤمنين والمؤمنات،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،