طوبى للغرباء ...

في حديث منقول عن الرسول صلى الله عليه و سلم قال فيه " يعود الإسلام غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ... قيل و من هم الغرباء يا رسول الله ... قال عليه الصلاة و السلام .... هم الذين يصلحون حين يفسد الناس و في رواية هم الذين يصلحون ما أفسد الناس "


إذ أخذنا بالقول " يصلحون حين يفسد الناس " أو بالقول " يصلحون ما أفسد الناس " فالأمر سيان لأنه ما كان لمصلح أن يصلح حين يفسد الناس أو يصلح ما أفسد الناس إلا إذا كان المصلح صالحا مؤهلا للإصلاح ...


إذا كان سبب غربة الإسلام الأولى في عصر النبي صلى الله عليه و سلم أو غربته التي يعود عليها الإسلام غريبا كما بدأ هو فساد الناس كما قال المصطفى عليه الصلاة و السلام " حين يفسد الناس أو ما أفسد الناس " فإن المحصلة و النتيجة تقول أن الفساد الذي أنتج غربة الإسلام الأولى هو فساد الناس و كذلك تنتج غربة الإسلام الآخرة من فساد الناس أيضا


إذا أردنا أن نغوص عمقا لنعرف طبيعة و نوع و حيثيات ذلك الفساد الإنساني المنتج للغربة الإسلامية فإننا لن نحتاج إلى جهد جهيد لنفسر الفساد بالفساد بل يكفينا فقط أن نعرف السبب من وراء الوصف المحمدي للمفسدين بالناس لأنهم الموصوفين بفسادهم أو إفسادهم و لم يصفهم بالبشر أو ببني ءادم و هم الأقرب للفساد حسب الوصف الملائكي لآدم { أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء } ؟


إذا كان الرسول محمد صلى الله عليه و سلم لا ينطق عن الهوى فإن الفساد المقصود في الرواية الشريفة هو فساد متعلق بصفة المفسد .... و في النتيجة فإن الفساد لن يكون من الصفة البشرية و لن يكون من الصفة الآدمية أيضا بل سيكون الفساد المسبب للغربة الإسلامية هو فساد تسببه الصفة الإنسانية في الناس ... و قد قيل أن الأشياء تعرف بأضدادها


يعرف الليل بالنهار ... و كذلك يعرف الرجل من خلال مقارنته بالمرأة ... و يعرف الخير بالشر و يعرف السالب بالموجب و يعرف الصانع بالمصنوع و كذلك يعرف الخالق الذي ليس كمثله شيء بكل شيء مخلوق ...


و من كل ذلك يعرف الناس بالمتذكرين في معادلة بسيطة لأن جذر أو أصل كلمة الناس هو ( نس ) و منها إنس و إنسان ، نساء و نسيان و ضديد النسيان هو التذكر لذلك جاء الوصف القرءاني للجمع الأنثوي نساء لأنهن أضداد الذكور مع أن صفة النساء لا تخص فقط الجنس الأنثوي ؟...


الضد و الأضداد لا تعني بالضرورة المختلف العام في كل أشكاله بل يمكن أن تعني المكمل العام ففي الكهرباء مثلا لا تقوم قائمة للقطب الموجب في الدارة الكهربائية أن لم يحقق تواصلا مع القطب السالب في المصباح مثلا و كذلك في فاعلية التذكر التي لا تقوم إلا بقيام النسيان قبلها فإن لم ينسى المخلوق المعلومة و يختزلها في ذاكرته فلن يكن هنالك داعي للتذكر أبدا ... لولا أن الفساد الذي يفسده الناس الناسين يكمن في طغيان صفة النسيان على صفة التذكر ... و في ذلك الطغيان يكون الإنسان عبدا للشيطان باستثناء حالات خاصة مسموح للنسيان فيها ليكون فيها الشيطان عبدا لأهداف الانسان كما كان من موسى و فتاه في سورة الكهف


{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)} ... يوسف

{قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)} ... الكهف

{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)} ... المجادلة


و حين يستحوذ الشيطان على الناس فإن صفة النسيان تكون هي الصفة الغالبة على تصرفاتهم و أقوالهم و أفعالهم و عندما تغلب صفة النسيان على الناس فإن الفساد سيكون بديلا عن الإسلام دين السلام في الأرض كما قال الله تعالى في سورة الروم {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)} ...


و لعلها تذكرة أن الفساد الذي ظهر في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس و ليس بما كسبت أيدي البشر أو بني ءادم ...

إذا كان الفساد المسبب لغربة السلام و الإسلام على الأرض هو فساد إنساني حصلته الصفة الإنسانية حين يستحوذ الشيطان على الإنسان فينسيه ذكر الله فإن إصلاح ذلك الفساد يكمن في ذكر الله ... و ذكر الله لا يعني ترديد لفظ الجلالة على الألسن كما يفعل أكثر الناس سواء أكان الترديد بلفظ الجلالة منفردا كما يفعل بعض المتصوفة أو كان ترديد لفظ الجلالة متبوعا بلفظ آخرا أو مقدما عليه كما في الاستغفار و التهليل و التكبير و التسبيح قولا لا فعلا ... كبرا مقتا عندا الله أن تقولوا ما لا تفعلون


بل ذكر الله يكمن في تذكر الله قولا و فعلا و لتذكر الله قولا و فعلا وجب علينا أولا و قبل كل شيء أن نعرف من هو الله حتى نستطيع تذكره سبحانه و تعالى قولا و فعلا ... و بنفس الطريقة و الأسلوب و المنهج الذي عرفنا به أن الفساد الذي يسبب غربة السلام و الإسلام هو فساد النسيان سلاح الشيطان للسيطرة على الإنسان



{وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)} ... المدثر
فطوبى للغرباء