الغيرة ..... وشجرة الخلد في القرءان
الغيرة ومعانيها وصفاتها كثيرة، ولكل صفة منها فعل مختلف من حيث السبب والنتيجة .
الغيرة هي ليست صفة من صفات التطبيع أو التقليد، وليست نتاج للنقص أو الحاجة. ولا تعد من الغرائز البشرية.
الغيرة هي فطرة في كيان كل إنسان وحجمها الفطري متعادل لدى جميع البشرية على حد سواء.
هنالك طور من الغيرة . أطلق عليه ( الغيرة التمهيدية التجريبية أو الغيرة الفطرية ) والتي تتفعل عند الطفل دون تدبر أو تفكر ، ويكون مصاحب لها وسيلة تربوية فطرية قد فطرها الله في الأبوين كي تكون مقوما لتلك الغيرة التمهيدية.
الغيرة تنحسر صفاتها في ثلاثة مجالات :
المجال الأول: الحيادية ( غيرة الحياة الدنيا).
المجال الثاني: الإيجابية (غيرة المرء على أهله أو غيرة المواطن على وطنه ( الغيور ) ).
المجال الثالث: السلبية ( غيرة المرء على نفسه (المغرور ) ، غيرة المرء من نظيره ( الغائر) و غيرة المنافسة ومن ضمنها غيرة المعركة أو الحرب ( الغور) ).
المجالات الثلاثة أعلاه يكون سببها متشابه من حيث الصفة ( الغيرة ) ولكن نتاجها مختلف.
فالمجال الأول (الحيادي) وهو في تدبير وتفكر الإنسان وهو ككفتي الميزان وكما سيرد شرحه.
والمجال الثاني (الإيجابي) يولد زيادة الثقة بالنفس وتألق دور الغيور أمام معشره فتكون منزلته ( البطل الشجاع).
أما المجال الثالث السلبي يولد نقصان الثقة بالنفس والخوف والجبن والحقد لدى الغائر والمغار عليه.
الغيرة ينطبق عليها معاني أخرى ، عندما نقول ((غار العدو على الوطن.. بمعنى أنه أوقد الغيرة في المواطن)) و(( صفة الغرور)) جزء من تلك المعاني وسنتحدث عنه بشكل مفصل في متن هذا البحث.
الغيرة وتصريفها (( غر – يغر – مغرور - غرور – غائر – المغار - غار – يغار – غيور – أغراء - غيرة )).
انطلاقا من بحوث الحاج عبود الخالدي، والذي يطرح فيه فكر ثمين بتفكره إن جميع ما أورده القرءان الكريم عن الأنبياء والرسل عليهم السلام موجودة في تصرفات كيان كل إنسان والشاهد لهذا التفكير إن القرءان الكريم عندما يتحدث عن ءادم أو إبراهيم وغيرهم ممن اصطفاهم الله تعالى وبين في القرءان أمثال و أذكار عنهم ليس بقصد القصة أو الأسطورة ، بل أن لها محركات للإنسان في كل حين وفي كل زمن .
من ذلك المنطلق كان التفكر. لما إن ءادم أكل من ثمرة شجرة الخلد ، ما نتاج ذلك العمل حيث أمره العزيز الكريم أن لا يقرب من تلك الشجرة (( إنما هو بيان قرءاني وامتحان رباني لأبينا ءادم وبنيه (نحن) )). فكيف إننا نمتحن كما أمتحن ءادم وهل إننا سنأكل من ثمر تلك الشجرة ونغضب الله ؟ . ومن ثم نفكر بما بعد غضبة الله وكيف نتوب إليه كما تاب ءادم، ذلك بحث آخر بعيد عن بحثنا هذا، الآن علينا أن نتفكر كيف وأين ومتى سنمتحن بذلك الامتحان؟!.
ولمتن بحثي هذا وما سيرفد فيه روابط كثيرة للتفكر في ءادم و شجرة الخلد ، سيجد القارئ نفسه بأنه أكل ويأكل من ثمرها ويغضب الله ، إنها (( الغيرة )) الغيرة هي ثمرة شجرة الخلد التي أكل منها أبينا ءادم ويأكل جميعنا منها.

الغرور التمهيدي (الغيرة الفطرية) الغيرة في سن الطفولة والصبا :
لعل التجربة التمهيدية البريئة لأكل ثمرة شجرة الخلد تكمن في غيرة الطفل وقد توصل إلى هذا الفكر المفكر الحاج عبود الخالدي بقوله إن (( أكل ثمرة شجرة الخلد تكمن في بداية حب التملك لدى الطفل )).
نعم بداية حب التملك لدى الطفل هو بداية غرور الدنيا وهذا النوع من الغيرة يمثل المجال الأول ( المجال الحيادي ) ولكنه متناصف دون كفتي ميزان (( كونه تجريبي متوازن )) ، فهو مجال حيادي ( لاغالب ولا مغلوب ) في مفاهيم الحياة الدنيا وظاهرة طبيعية لابد منها لدى أي طفل ينفتح على غرور الدنيا. ولكن بمفاهيم القرءان الكريم فأن هذه الظاهرة هي تجربة البداية للأكل من ثمر شجرة الخلد وتفعيل لفطرتها في البشرية ولكنها تبقى في حاوية فكرية بريئة.
إن الرغبة في التملك مباح شرعا ولكن الغرور وحب التملك لأكثر من الحاجة هنا يكمن مفهوم الغيرة. ربما يكون الطفل بحاجة إلى لعبة يتنزه فيها.. أمر مباح .. ولكن عندما يملأ فمه ويداه وخزانته باللعب هل سيكتفي ووالديه يصطحبوه للسوق!. فالغيرة تنمو فيه وهو يتناول منها ولكن ببراءة وتجربة . وما دور التربية هنا .. فكل ولي أمر يحاول أن يكبح تلك الغيرة النامية لدى طفله كي يربيه على القناعة والاكتفاء بما لديه من حاجيات .. وبمعنى قرءاني يمنعه من الإفراط في تناول ثمرة شجرة الخلد ( تلك فطرة الله في خلقه في وسيلة التربية ).
تتحول مرحلة الغيرة لدى الطفل عند صباه لتمر في تجربة بريئة جديدة وهي الغيرة على أهله. والتي تقع ضمن المجال الثاني (( المجال الايجابي )) وفي هذه المرحلة تجده يغضب ويحزن عندما يتركه والده وهو ذاهب إلى عمله أو والدته وقد لا ينتهي غضبه حتى أن يواعده أو يلبي له بشيء من ثمر شجرة الخلد (( يغره بأن يلبسه أو يلعبه أو يؤكله بما هو فائض عن حاجته، فمهما كان في نعيم وخير سوف لن ينتهي عن غضبه وحزنه حتى يسمع بالجديد من الغرور )). ما هو سبب غضبه وحزنه .. عندما نبحث في هذا الأمر سنجد الحقيقة هو خوفه على والده أو والدته من فقدهم. فيحاول بسلاحه البسيط المحافظة عليهم بجنبه. ووسيلة التربية في هذا المجال التي جعلها الله فطرة في بني ءادم هو أن يمنعه من تلك الغيرة وأن يطمئنه بأنه في رعاية وحفظ الله فبذلك لا داعي الى تلك الغيرة.. .. وبمعنى قرءاني يمنعه من تناول ثمرة شجرة الخلد بغيرته هذه على أهله!!.
ومن ثم تجربة أكل ثمرة شجرة الخلد البريئة في مجالها الثالث السلبي والخطير لدى الطفل هو الغيرة من نظيره. وما تولد هذه الغيرة من الحقد والغضب والعداء والجبن، والغريب في هذا المجال هو أن تحريك أو تفعيل هذه الغيرة يكون بفعل داخلي في كيانه (الوسواس) وليس بفعل وقائع إلا إذا كانت مقصودة بإثارة الغيرة لدى الطفل من شخص ما ولكن نسبتها الغالبة تكون بتفعيل من الوسواس. وتظهر هذه الظاهرة بصفة الغضب والعداء لدى عمر الشبل والتي قد تنمو فيه متسببة في تحديد جزء من تصرفاته وطبيعته عند نشأته وكبره. وأيضا الغريب في وسيلة التربية التي فطرها الله في بني ءادم لمعالجة هذا المجال من الغيرة يختلف أسلوبا وترقبا من المجالين السابقين. فتجده هنا لا يلمح و لا يقتصد بمنع الطفل من تصرفه هذا، بل أنه يحاول أن يولد تيارا معاكسا لذلك الإحساس بشكل يكون حريصا بعدم إشعاره بافتعال هذا التيار.
تلك سنة الله في الخلق، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

غرور الدنيا ( الغيرة الحيادية ) في سن التمييز.
إن كل الطيبات في الجنة كانت مباحة لدى ءادم إلا الشجرة الموصوفة بشجرة الخلد التي لا حاجة لدى ءادم أن يتناول منها وما تختلف تلك الشجرة عن باقي الطيبات، ولكن امتحان الله جعل لهذه الشجرة عنوانا للتفكر ومن ثم تدبر آدم لهذا الامتحان ، وما حاجة ءادم لأن يكون من الخالدين ( كما وصف له الوسواس بتناوله من تلك الشجرة ) وقد أوعده الله بأنك تكون من الخالدين في الجنة ، ولكنه غر بالوصف المزيف بفعل الشيطان لتلك الشجرة ونسي وعد الله فكان من النادمين بتناوله ( الغيرة ).
مما ذكر في شرح غيرة الطفل نستنتج أن أول شيء يعكر صفاء ذهن الطفل ويجعله يغضب أو يتذمر أو يحزن هو الغيرة، و هذا المفهوم في أبينا ءادم ( النموذج المثالي ) كذلك أول من عكر صفاء ذهنه هو الغيرة أيضا، ولو أن ءادم لم يأكل من الغيرة شيء فما كانت هناك دنيا، لكن ءادم أكل من الغيرة ونحن يجب أن نأكل في طفولتنا (( تطبيقا للنموذج المثالي فنحن مثل ءادم في سن طفولتنا وصبانا )) ولكن هل نتوب كما تاب أبونا ءادم بعدما نكون بني ءادم في نشأتنا وكبرنا.
أبونا ءادم كان لا يحتاج إلى التفكير أو التدبير لشيء فكل شيء له مباح ووفير ويسير ( وصف الجنة ) ، عندما تفعل الوسواس في صدره وحمل الغيرة وتذوقها، تفعل له التفكير والتدبير وأصبح يتدبر ويفكر بنفسه ، ونجد هذا الوصف واضحا في البيان القرءاني {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (22) سورة الأعراف
{فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (121) سورة طـه).
هذا التدبر والتفكير لم يكن حاضرا لدى ءادم قبل أن يحمل الغيرة. وما مفهوم سوءاتهما؟. وصف القرءان لسوءاتهما يتضح بأن نتاج حمل الغيرة هو السوء وأوله التفكر و التدبر. وبذلك أصبحت الدنيا وما الدنيا إلا تدبرا وتفكرا في كل شيء . عندما كنت طفلا فلا حاجة للتفكير والتدبير فالكل يسير ووفير فأنا مثل ءادم كنت في الجنة .. عندما تناولت الغيرة ( وكما ذكرنا إنها أول مفعل للتفكر والتدبر لدى الطفل ) وكما تفعل التفكر والتدبر لأبينا ءادم (ع) بفعل الوسواس ، أخذت أتدبر وأتفكر كيف أصلح وأعيد نفسي إلى ما كنت عليه في الجنة ولكني هبطت إلى بفعل الغرور إلى الحياة الدنيا بعدما تناولت الذي فطرني الله عليه (( تناولت الغيرة لأني مازلت ءادم في التطبيق النموذجي )).
بعدما أكون متدبرا ومتفكرا هل سأتوب كما تاب أبونا ءادم و سأكون بوصف أيهما من أبني ءادم (( قابيلا أم هابيلا )) كما تم الإتفاق على تسميتهما؟.
غرور الدنيا ( الغيرة الحيادية ) هي التي ستحدد وصفي من بني ءادم (( قابيلا أم هابيلا )).
أبني ءادم ( قابيل و هابيل ) كلاهما غر بلذات الدنيا ( غيرة حيادية ) وحتى نقطة انقلاب عتلة الميزان ( الحد الفاصل بين خير الغيرة وبين شرها ) .. الحد الفاصل بين كلوا وأشربوا ... ولا تسرفوا .
هابيل توقف عند ذلك الحد ولم يقدم في تناول الغيرة في نقطة انقلابها ( أكل وشرب ولم يسرف ) وكان من الناجين.
قابيل لم يتوقف عند ذلك الحد وقد تناول الغيرة في نقطة انقلابها ( أكل وشرب وأسرف ) وكان من النادمين.
قوله تعالى {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (28) سورة المائدة)
{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (30) سورة المائدة
وما مفهوم القربان الذي قرباه هابيل وقابيل ألا وهو التفكر والتدبر في الغيرة في هذا المجال ( الحيادي ) وتقربهم من نقطة الانقلاب كي يحددوا وصفهما من بني ءادم. قوله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (27) سورة المائدة
فنحن بني ءادم بعد أن كنا ءادم في طفولتنا وصبانا .. ما الذي سنقربه قربانا (( تقربا من نقطة الانقلاب هذه )) كي نحدد وصفنا من بني ءادم أنكون قابيلا أم هابيلا بتقربنا من تلك نقطة الانقلاب. أنكتفي بخير الغيرة وحدودها المسموحة ونكون هابيل، أم نبقى نأكل من ثمر شجرة الخلد ونكون قابيل.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (168) سورة البقرة
{يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (31) سورة الأعراف

الغيرة الإيجابية بمفهومها الدنيوي والقرءاني.
الغيرة الإيجابية في مفهومها الدنيوي هو نشاط مرغوب فيه ومحمله محمل الواجب. ترى مقام بني ءادم بدون غيرة على أهله أو وطنه مقاما بائسا بين معاشره وعكس ذاك تجده البطل الشجاع بوصف معاشره.
وللتفكر بالقرءان الكريم نجد مهما توارت الغيرة الايجابية لمفاهيمها الدنيوية المحتملة لدى بني ءادم فأنها سوف تنحى منحى العداء والكراهية والجبن والتدبر والتفكر بما لا يرضي الله. وحيث النتيجة ستكون غضبة الله بتناول الغيرة في مجالها الايجابي بشتى وسائله.
وما الداعي للغيرة على أهلي وأنا أؤمن بالله حافظا وساترا ونستشهد بقوله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ{ (57) سورة القصص.
ولِمَ لا نفكر بدلا.. بأن الله من وفر الحرم الآمن وأجتبى لأهلنا ثمرات كل شيء.. وننظر بأن درجة أمنهم مقترن بدرجة غيرتنا, والظن السوء بأننا سنتخطف من الأرض وهل بغيرتنا سنهدي من نحب!.
ولو إن بني ءادم تدبر في أمر الغيرة على أهله أو وطنه كان قد ظلم نفسه وخير دليل قرءاني قوله تعالى:
{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) { سورة القصص.
ونجد في هذا البيان القرءاني موقف صريح لبني ءادم حيث تفعل عنده صفة الغيرة على شيعته (أهله) وتدبر وتفكر دون حسبانا لله هو الهادي وكان من الظالمين لنفسه.
وتتجه البيانات القرءانية نحو غيرة المواطن على وطنه الاتجاه ذاته ونتاجهما بمفهوم قرءاني بعيدا عن مفهومها الدنيوي.
حرب وصراع وقتال أو شجار ... لأننا تناولنا الغيرة بإفراط .. وقد عهد الله لنا أن نكون بعضنا لبعض عدو.
قوله تعالى {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) {سورة البقرة.

}فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38){ سورة البقرة.
غور العدو يوقد الغيرة عند المغار عليه .. كلاهما سيكونان خارج رحمة الله.
ولِِمَ غور العدو ما لم تكن هناك إثارة للغيرة مكنونة لدى المغار عليه .. وإن لم تكن فلِمَ الظن السيئ بالله وهو قادر بكف ذلك الغور. ترى كليهما يتفكر ويتدبر كي يسلكا ما يملي عليهما الشياطين وهم يتبعوه. {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} (120) سورة النساء

كان نتاج تناول الغيرة هو الهبوط إلى الدنيا والعداء والمتاع إلى حين.
ومن ثم الكلمات التي يتلقاها ءادم من خلال الفطرة التربوية التي فطرها الله في الوالدين (فهي من عند الله خالصة) فمن تاب بعد أن تلقاها ( اقتفى بحسن التربية ) قد نال رحمة الله، ومن الآية (38) نتفكر بأن تلك الكلمات قد لا يتلقاها ءادم من خلال والديه نتيجة غضبة الله عليهم وعدم جعلهم وسيلة للتربية، فأن هدى الله ( كلمات الله ) يأتي من حيث لا يحتسب بني ءادم ولعله يتفكر ويتبع كلمات الله فيكون من الناجين.