أبطال ... مبطلون ..!!

من أجل مسك حدود البيان اللفظي في القرءان

من مفارقات فطرة النطق ان تجتمع وظيفة لفظية متضادة في لفظ واحد مما يدفع العقل فطريا الى رجرجة العقل المفطور بخلق الهي ناطق الى البحث عن تلك الفارقة ولعل اشهر فارقة يدركها العقل الفطري حين ننطق (ضر ... ضرورة) فالضر فيه ضرر وهي صفة مقدوحة والضرورة فيها صلاح وهي صفة ممدوحة ومثلها حين ننطق (بطل .. باطل) فالبطل في مقاصدنا صفة ممدوحة في البطولة الا ان الباطل صفة مقدوحة ورغم ان القرءان لم يحمل الفاظ (ضرورة ... بطل او ابطال) الا ان المنقلب الذي يشكل الفارقة يجب ان يكون في متعارفات الكلام ولا بد ان تكون للفطرة مدخل خفي علينا فاستوجب ان نبحث عنه لمعرفة الكيفية التي يحملها اللفظ في القدح وضديده في وظيفة جذر لفظ واحد
باطل ... لفظ يدل على مقاصد تعارف عليها الناس في القدح فالباطل هو ضديد الحق
بطل ... بطولة الابطال لا يمكن ان تكون (باطلا) ..!! بل هي صفة ممدوحة
(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:42)
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:191)
(لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (لأنفال:8)
الله سبحانه (يبطل الباطل) وفي هذه النقطة المضيئة للعقل تنقلب المقاصد حين يكون الله (مبطل) الباطل ففعل الله لن يكون ذو فاعلية باطله بل هو فعل ارتدادي ضد الباطل ويحمل نفس الفاعلية فاصبح لدينا لفظان من جذر واحد الا انهما ضديدان في المقاصد (يبطل الباطل) ومثلها حين يكون كيد الكافرين مقدوحا وكيد الله ممدوحا وهنا نقرأ فطرة ناطقة وضعها الله في خارطة خلق ناطقة في قرءان ينطق بالحق ليعلن سنن النطق في مقاصد العقل
(فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس:81)
باطل .... لفظ يدل في مقاصد العقل الحرفية (نقل قابض نافذ الفعل) .... عندما يقوم فاعل الباطل بـ (نقل قابض) سواء كان عقلاني او مادي وكان ذلك المنقول موصوف بصفة (نافذ) الفعل بموجب سنن الخلق فان فعل الباطل تتضح صورته حين يتم اختزال الفاعلية النافذة في سنن الخلق عند (نقل القابض) للفعل النافذ أي اعدامه ووقف نفاذه ... تتضح صورة المقاصد العقلية في (ان الله سيبطله) أي ان الله سيقبض نفاذية فعل الباطل ومثلها (يبطل الباطل) فهو يعني ينقل قابضة الباطل النافذة
حرف اللام في علم الحرف القرءاني هو (نقل الصفه)
حرف الالف في علم الحرف القرءاني يشير الى فاعلية الصفة ... لا ... نافية ... في علم الحرف تكون في القصد العقلي (فاعلية نقل الصفة) فالصفة حين تكون منقولة فهي (منفية) فهي اداة نفي
بطل ... الشخص الـ (بطل) هو الشخص الذي يواجه الصعاب ويتغلب عليها وتلك مقاصدنا في البطولة سواء كانت في ساحة حرب او في معترك الحياة ... بطل تعني في علم الحرف القرءاني (نقل قابض نافذ) ... الصعوبات في المعركة او في معترك الحياة اجمالا هي (قابضات نافذة) فمن ينقلها من نفاذيتها اي (يوقف نفاذها) انما يكون بطلا ...
انعطافة فكرية اخرى تذكرنا بمرابط فطرية حين ننطق لفظا يستخدم بعيدا عن البطولة والباطل الا انه من نفس الجذر وهو لفط (بطال) وهو من بناء (بطل .. باطل .. بطال ... بطالة) ... البطالة هي فقدان العمل فما الرابط الذي يربط البطالة بالبطلان والبطولة في مقاصد عقل الناطق الثابتة خلقا بصفتها حق ثابت ..؟؟ فالنطق حق ..!!
بطـّال ... لا عمل له وهو يعني (نقل قابض فاعلية نافذة) وهو نقل قابضة (العمل) النافذة اي انها صفة (عدم العمل) وهي البطالة التي نعرفها فحين ينقل (العمل) من حيازة شخص ما (ينفى عنه) انما يكون (بدون عمل) وهو يعني (عدم العمل) اي (بطـّال) ...
(وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت:48)
المبطلون ... جمع (مبطل) وهل يمكن ان نقول ان الـ (مبطل) هو مشغل الـ (بطل) ..؟ مثلما نقول (فتش ... مفتش) فالمفتش هو مشغل التفتيش ومثله (سرور .. مسرور) فالمسرور هو مشغل السرور ... اذا المبطل مشغل البطل (البطولة) فان ذلك يعني ان المبطلون هم في صفة ممدوحة والارتياب عندهم يحصل من الحق الذي امنو به عندما يرون ان القرءان قد تم خطه بيمين الرسول (من قبل) ... تلك الصفة التي وصفها الله في (اذا لارتاب المبطلون) حصلت في زمن متأخر من عصر الرسالة مع بدايات ربيع الفقه حيث استعرت ازمة فكرية في (هل القرءان حادث ام خلق) وهنا في هذه الازمة الفكرية منهم من قال ان القرءان (خلق) أي انه (مخطوط من قبل الله منذ الازل) ومنهم من قال ان القرءان (حادث) صاحب نزول الوحي واعتمدوا على موصوفات (حدثت) في زمن الرسول عليه افضل الصلاة والسلام ونزل بها قرءان مثل بدر وبعض زيجات الرسول وواقعة حنين حيث كان القرءان منزلا مع (الحدث) وهنا ارتفع الريب عند (المبطلون) الذين يشغلون صفة (بطل) وهي (نقل قابض نافذ) الا وهو النص القرءاني المنقول من نصه الموحى مقبوضا في العقل (عقل القرءان) بصفة موصوفة انها (نافذة) في عقول الـ (مبطلون) لانهم امنوا به من عند ربهم ... القبض العقلاني للنص القرءاني يكون (نافذا) عند المؤمنين لانهم شهدوا نزول القرءان مرتبطا بحوادث يرونها فكان (عدم الارتياب) فلو كان القرءان مخطوط (من قبل) لتغيرت صيغة (انتقال) النص القرءاني الى (قابضة العقل) وفقدت (نفاذها) فيحصل الارتياب
كما قرأنا المقاصد المتضادة في (يبطل الباطل) نقرأ ايضا
(أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (لأعراف:173 )
المبطلون هنا هم الذين نقلوا القابضة النافذة فيها (نفوها) أي (اعدموها) فلم تصل لذريتهم فيكون القانون الالهي انما الشرك عند الاباء لا يقيم الحد على الابناء الا اذا تمسك الابناء بما كان عليه الاباء لانهم مبطلون أي انهم نفوا الحقيقة التوحيدية واعدموها ... كل انسان عاقل يحمل عقل مفطور يستطيع ان يدرك الحقيقة وتلك هي ثوابت تألقت في زمن العلم فالعلماء الماديون الذين كشفوا كما هائلا لا حدود له من الحقائق المادية والتي كانت خفية فما كان اباؤهم يعرفونها وما تمسك علماء العصر بثوابت الاباء وما نزل عليهم الوحي وما كان لعلماء العصر الماديون نبيا او رسولا سوى انهم يحملون عقولا بشرية فطرها الله انها قادرة على البحث عن الحقيقة ومعرفتها ...!!
الله لا يهلك الابناء لان الاباء اشركوا وقاموا باعدام الحقيقة (مبطلون) بل الله يعاقب الابناء اذا تمسكوا بشرك الاباء
(بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف:22)
كثيرة هي المواطن التي تستخدم فيها الفطرة لفظا محددا بضديدين مختلفين في التطبيق الا انها في مقاصد العقل الناطق في وحدة واحدة في القصد فاضافة الى الضر والضرورة والباطل والبطل هناك مزيد من الالفاظ ندرج منها ما هو لغرض الاستئناس بها (جنة ... ممدوحة كجنة الفردوس ... جنة مقدوحة كجنة الجنون العقلي ... كيد .. هنلك كيد مقدوح مثل كيد اخوة يوسف ليوسف قابله كيد ممدوح مثل كيد يوسف لاخوته حين نادى منادي ان ايها العير انكم لسارقون وما كانوا بسارقين ... كذلك كيد الله فهو كيد ممدوح ... الصبر صبران صبر على ما يحب العبد في صوم او صلاة وصبر على ما يكره في قتال او مرض ... و ... ) المبطلون مثلها في فطرة عقل ناطق فهي في صفة مقدوحة وهي في صفة ممدوحة الا ان مربطها في فطرة النطق متحدة والاختلاف هو في الاستخدام فقط والبيان القرءاني المبين يمنح من يريد ان يعقل القرءان حقيقة البيان ذلك لان صفة البيان القرءاني انه (مبين) ولا يخفى على حامل العقل ان اراد حامل العقل ان يتحرر عن ما قيل في القرءان ويتمسك بما قال القرءان حصرا
لا تمتلك معالجتنا المدرجة على هذا المتصفح سلطوية فكر لاقناع الاخر بل تمتلك (تذكرة) من قرءان وعقل بشري فطره الله في حامل العقل
(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (الذريات:55)
الحاج عبود الخالدي