العمل التطوعي في ثقافة الدين

من أجل مجتمع إسلامي منصور بالإسلام




لا يخفى على حملة الشريعة الاسلامية ان هنلك قاموسا شرعيا طويلا وعريضا خاص بالأعمال المستحبة حيث يسهب الفقهاء في ثواب العمل المستحب الذي لا يندرج تحت الواجبات والفرائض بل ينحسر فيما تقدمه النفس المؤمنة طوعا لخيرها الشخصي أو خير عموم المسلمين فلو اطلعنا على كتاب (آداب الطريق) وكتاب (آداب المجالس) وآداب الملبس والمأكل وآداب الجوار فهي جميعا تستدرك في صفة العمل التطوعي الذي يتصدى له المسلم بفاعلية ايمانه بثواب الله طوعا دون أي اكراه

الانفاق في سبيل الله يقع حصرا في العمل التطوعي وهو عملية اخراج المال من حيازة مالكه ونثره لمحتاجيه دون مقابل دنيوي بل لغرض تقوية الصلة بين الخالق والمخلوق مع العلم ان الله سبحانه غني لا يحتاج مال المؤمن ولا ينال منه شيئا فالمال كله ارثا لله

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:261)

فالانفاق عمل تطوعي يثقف المسلم على تربوية (نكرات الذات) والخروج من حيازة ما حصل على حيازته وهي عملية استقالة من ملكية مؤكدة تؤتي ثمارا واجرا (أجور) كبيرا وصفها الله باضعاف مضاعفة وفي نفس الوقت يؤكد الله سبحانه ان ذلك العمل هو عمل تربوي ولن يكون ذا هدف مادي محض وهو من بداهة عقل فلو شاء الله ان يطعم الجياع لاطعمهم في منظومته (كن فيكون) الا ان الهدف الرباني هو تربية المؤمن تربية تصلح له نشاطه الدنيوي فيكون مؤهلا للحصول على بطاقة التأمين الالهي من مدركات الدنيا ومصائبها .. ويدعم ذلك التخريج الفكري نص قرءاني واضح

(لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الحج:37)

تقوى القلوب هو الهدف من العمل التطوعي وهو ميزان وضع الله مقاييسه في مثل حبة انبتت سبع سنابل ويتضاعف الميزان عندما يتضاعف عطاء المؤمن التطوعي ... ذلك الطود الكبير من النشاط التطوعي الذي يظهر فيه المال كمادة اساسية في فاعليته ليس هو الميدان الاوحد للعمل التطوعي فهنلك في الدوحة الايمانية مفاصل متعددة من النشاط المستحب الذ يقع تحت فاعلية العمل التطوعي فالجهاد في سبيل الله بالكلمة والموعظة الحسنة واحد من ابرز انواع العمل التطوعي غير المالي بل يرتكز على نشر الرشاد الفكري في الدعوة الى سبيل الله بل يكون للكلمة الراشدة في سبيل اثرا يعلو على صدقة المال

(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة:263)

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125)

وبما ان تلك الاعمال هي خارج الفرائض الاسلامية فان النشاط فيها تطوعا لله يمتلك مساحات واسعة من فائقية النظم الاسلامية الا ان مجتمعاتنا مزقت تلك الاعراف وتلبست باعراف مستوردة ففقد المجتمع الاسلامي الكثير من صفاته بسبب التحضر المستورد ومن خلال قراءة النصوص القرءانية ومعالجة عملية عقلها في العقل يتضح ان الله سبحانه وتعالى اراد بالناس يسرا كبيرا من خلال قيام ثقافة العمل التطوعي فيهم ولا ولن يجزي حين يكون الانضباط المجتمعي هو من قوانين نافذة تعاقب المخالف ولا تجعل ثوابا للملتزم بتطبيقات القانون الا ان الله يدفع اجرا للقائمين على الاعمال التطوعية الصالحة

(ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) (البلد:17)

وفي تلك الشعبة من العمل التطوعي يكون (التواصي بالصبر) من اهم واعظم الاعراف المجتمعية التي يبادر اليها المتطوعون من المؤمنين فيتطوع المؤمن لزراعة الصبر والسكينة والمرحمة في غضبة الغاضب وفي النوائب والويلات وصبر المؤمنين حين يعلن المتطوع صبره ومقومات الصبر فيكون للمجتمع الذي هم فيه نبراسا وقدوة الا ان الانهيار (ضديد الصبر) يتسبب في انفلات اجتماعي وتمزق لوحدة المجتمع المسلم اذا خلا المجتمع من متطوعين يروضون الناس على الصبر في مسألة شخصية محددة او في حالة عامة يعرض لها امة من الناس كما حصل في ايام الحرب على العراق حيث كان يحتاج المجتمع الى من يقيم الصبر والمرحمة بين الناس لكي لا يحصل الهرج من جراء القصف اللاانساني الذي تعرض له المجتمع في المدن العراقية الرئيسية ..!! والمسلمون يحتاجون الى متطوعين لبناء الصبر في فلسطين ولبنان وافغانستان كما يكون المجتمع المسلم بحاجة الى زراعة الصبر في نفوس الحجيج في صعوبة المناسك والصبر على متاعب ادائها وحين يرى النفور بين بضعة من الحجيج بسبب ضيق الصدر يكون لزراعة الصبر والمرحمة دورا كبيرا يقدمه المتطوع في التواصي بالصبر والمرحمة .. ومثله في المدن التي تتعرض لامطار غزيرة واعاصير خطيرة وامراض مستشرية فان ثقافة الاسلام تفرض بروز فئوية تطوعية تتولد من ام الحاجة نفسها وفي رواية مجتمعية وردتنا من الكويت كان فيها الطبيب خبازا والمهندس يجمع القمامة وتواصي المرحمة بين المجتمع المنكوب كان سمة رائعة وصلت اخبارها الخافقين ..!! يقابلها انفلات غير صبور من فئات مجتمعية اخرى توائم اللاصبر بينها فتسبب في تشضيها وتمزيق سكينتها لانها لم تتواصى بالصبر والمرحمة ..!! ومثله ما حصل في لبنان وفي فلسطين والعراق ويحصل يوميا في بقاع الارض الاسلامية ففي الحجاز فياضانات تحتاج الى صبر ونشاط تطوعي بالصبر وقبلها في عمان و ..و .. ومجتمع اسلامي يحتاج الى متطوعين يزرعون الصبر في كل اختناق يتعرض له ..!!

العمل التطوعي الناتج من الوازع الديني يمتلك مساحات واسعة لا حدود لها ويحتاج الى مزيد من الملفات مع كل مفصل من مفاصل العمل التطوعي بنوعيه (العام والخاص) وبكافة اشكاله (المادية واللامادية) وبكافة انشطته (الفردية والجماعية) ولعلنا كأمة اسلامية قادرون على احياء التراث الاسلامي التطوعي وفق منطق معاصر يمتلك هوية العصر فيكون ذا اثر كبير في بلورة الهوية الاسلامية اكثر فاكثر في المجتمع الاسلامي لينجو المسلمين من حبائل الغرب التي تريد ان تطيح بالاسلام وتهيكل مضامينه الواسعة واهمها حيوية العمل التطوعي حيث اصبح العمل التطوعي المالي محاربا من قبل الفئة الباغية في الارض تحت شبهات العمل الارهابي ويتم التضييق على حركة اموال الصدقات او جمعها في حيازة المتطوعين تحت ذريعة المخاوف من وصولها الى يد الارهاب في اكثر المعالجات كذبا وبهتانا ذلك لان صناعة السلاح والمتفجرات وتقنياتها مسيطر عليها بشكل فائق من قبل الدولة الحديثة ولن تنفع الاموال لوحدها في حيازة الاسلحة ما لم يكن هنلك برنامجا امميا لتسليم ما يسمى بالارهاب سلاحا لاغراض هدم الاسلام من خلال الافعال الارهابية التي لا يرضاها الدين والتي كانت سببا مباشرا في شن حرب كبيرة على المسلمين في كل مكان ..!!

تلك المعالجة تمنحنا فكرا اضافيا في برامجية العمل التطوعي لكي لا يكون الاندفاع فيه وسيلة تمكين اعداء الاسلام من الاساءة اليه مثل عمليات الهجوم العدواني على الناس من خلال العمل التطوعي المتطرف تحت ناصية (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي تفنده ثابتة قرءانية (لا اكراه في الدين) ... اذن ثقافة العمل التطوعي تحتاج الى ميزان فكري متعادل يقوم في زماننا وفق متطلبات اسلامنا المغطى بغطاء دولي اممي متحكم يمثل عدوا استراتيجيا للاسلام بسبب وجود مخاوف مركزية من احتمالية انفلاق الاسلام ونظمه بين بني البشر ومن ثم انفلات زمام الحاكمية الاممية التي تتحكم بالارض ذلك لان قادة تلك الاممية يعلمون جيدا ان النظم الاسلامية تنصر منظميها تلقائيا لانها ترتبط بعناصر اساسية في فاعلية الخلق (عجينة البشر العقلانية) فتكون فاعلية النظم الاسلامية مخيفة للقيادة الاممية التي تختفي خلف حكومات الامم ..!!

ثقافة العمل التطوعي ترقى برقي الايمان ومقترباته الايمانية من الخالق وتجعل المجتمع المثقف بثقافة تطوعية دينية من ارقى المجتمعات الانسانية نجاحا وانضباطا ولا يحتاج المسلمون الى مكتشفات عناوين التطوع فهي جاهزة للتطبيق في الدوحة المحمدية الطاهرة والقرءان مليء بصنوف لا حصر لها من العمل التطوعي الا ان حملة القرءان اتخذوا القرءان مهجورا .. !!
الحاج عبود الخالدي